يثير تنامي العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية مخاوف في القاهرة، خصوصًا في ظل حساسية ملف سد النهضة وتداعياته المحتملة على حصة مصر من مياه النيل. ويرى الكاتب حسن عبد الظاهر، المساهم في صحيفة «ذا عرب ويكلي» والمقيم في القاهرة، أن محللين مصريين قللوا من أهمية التقارير التي تحدثت عن نصب إسرائيل منظومة دفاع جوي متطورة لحماية سد النهضة الإثيوبي، رغم المخاوف المتزايدة من اتساع الدور الإسرائيلي في حوض النيل.


وفي تقرير نشرته صحيفة عرب ويكلي تناول حسن عبد الظاهر تداعيات التقارب الإسرائيلي الإثيوبي على مصر، في وقت تخوض فيه القاهرة وأديس أبابا مفاوضات شاقة بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، الذي تراه مصر قضية مرتبطة بأمنها المائي ومستقبلها الاقتصادي والاجتماعي.


إسرائيل توسع نفوذها في إثيوبيا وحوض النيل


أبدى محللون مصريون قلقهم من تنامي الدور الإسرائيلي في القارة الأفريقية، ولا سيما في منطقة حوض النيل، مؤكدين ضرورة أن تراقب القاهرة التحركات الإسرائيلية في المنطقة وألا تسمح بأن تأتي على حساب مصالحها الاستراتيجية.


وقال المحلل السياسي عبد المنعم حلاوة، إن إسرائيل تعمل بقوة على تعزيز علاقاتها بالدول الأفريقية، وخصوصًا إثيوبيا، مشيرًا إلى أن تل أبيب تحقق مكاسب في المناطق التي تتراجع فيها مصر عن أداء دورها التقليدي.


وأضاف حلاوة أن إسرائيل «تكسب أرضًا» أينما تنسحب مصر، ولا سيما في القارة الأفريقية التي اعتبرتها مصر لعقود امتدادًا طبيعيًا لنفوذها ومصالحها.


وتزامنت هذه المخاوف مع تقارير نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت عن قيام ثلاث شركات إسرائيلية بنصب منظومة «سبايدر-إم آر» للدفاع الجوي في إثيوبيا خلال مايو، بهدف حماية سد النهضة. وتستطيع المنظومة إطلاق نوعين مختلفين من الصواريخ في الوقت نفسه، ما يمنحها قدرة على التعامل مع تهديدات جوية متعددة.


وأفادت تقارير بأن أديس أبابا اختارت هذه المنظومة بعدما أظهرت أداءً جيدًا خلال الاشتباكات الهندية الباكستانية في منطقة كشمير قبل نحو خمسة أشهر من تاريخ نشر التقرير.


ولم تصدر إسرائيل أو مصر تعليقًا رسميًا على تلك التقارير، وهو ما أبقى المعلومات المتداولة في إطار التقارير الإعلامية غير المؤكدة رسميًا.


ورغم ذلك، استبعدت تقديرات في القاهرة أن تقدم إسرائيل على تعريض علاقاتها المتحسنة مع مصر للخطر لمجرد تحقيق أرباح إضافية لشركاتها المتخصصة في تكنولوجيا الدفاع.


العلاقات المصرية الإسرائيلية تتعزز رغم أزمة سد النهضة


شهدت العلاقات بين إسرائيل ومصر، اللتين خاضتا صراعات وحروبًا لعقود، تحسنًا تدريجيًا مدفوعًا بمصالح مشتركة وهواجس أمنية متقاربة. وتلتقي الدولتان في القلق من تنامي النفوذ الإيراني، فضلًا عن تصاعد نشاط الجماعات الإسلامية المسلحة في شبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة الفلسطيني.


وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية في الفترة ذاتها عن جانب من مستوى التعاون الأمني بين القاهرة وتل أبيب في سيناء، عندما أشارت إلى غارات جوية إسرائيلية استهدفت شحنات أسلحة إيرانية موجهة إلى حركة الجهاد الإسلامي في سيناء خلال نوفمبر من العام السابق، ثم في مايو من العام نفسه.


وكانت مصر قد أصبحت عام 1979 أول دولة عربية توقع معاهدة سلام مع إسرائيل، عقب سلسلة من الحروب بين الجانبين. ومنذ ذلك الوقت، حافظت العلاقات بينهما على مسار يتداخل فيه التعاون الأمني مع الخلافات السياسية والإقليمية.


وسعت القاهرة كذلك إلى لعب دور الوسيط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في محاولة لدفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات.


ويرى سمير غطاس، مدير منتدى دراسات الشرق الأوسط، أن المصالح المشتركة بين مصر وإسرائيل تجعل من غير المرجح أن تبيع إسرائيل معدات عسكرية متطورة لإثيوبيا، إذا كان من شأن ذلك الإضرار بالعلاقات مع القاهرة.


وقال غطاس إن وجود مصالح مشتركة بين الدولتين يشكل عاملًا مهمًا في تحديد الموقف الإسرائيلي من التعاون العسكري مع إثيوبيا.


لكن هذه الحسابات لا تبدد القلق المصري من اتساع الحضور الإسرائيلي في إثيوبيا، إذ تنظر القاهرة إلى أي نفوذ أجنبي متزايد في حوض النيل باعتباره ملفًا يستحق المتابعة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدولة ترتبط بمشروع مائي ضخم ترى مصر أنه قد يؤثر بصورة مباشرة في مواردها المائية.


سد النهضة.. قضية وجودية بالنسبة إلى مصر


اتبعت مصر المسار الدبلوماسي في التعامل مع نزاع مياه النيل مع إثيوبيا، رغم شدة حساسية القضية. ومنذ توليه الرئاسة عام 2014، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي عدة زيارات إلى أديس أبابا، كما استقبل مسؤولين إثيوبيين كبارًا في القاهرة، في إطار مساعي البلدين لتعزيز العلاقات الثنائية.


لكن سد النهضة ظل يمثل نقطة الخلاف الأبرز بين القاهرة وأديس أبابا. ويكتسب المشروع أهمية استثنائية بالنسبة إلى مصر بسبب اعتماده بصورة أساسية على مياه النيل لتلبية احتياجات السكان والزراعة والصناعة.


ويستطيع السد تخزين نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يثير مخاوف مصرية من أن يؤدي ملء الخزان وتشغيله إلى تقليص كميات المياه التي تصل إلى الأراضي المصرية، ولا سيما إذا جرى الملء بوتيرة سريعة أو من دون اتفاق ملزم بشأن قواعد التشغيل.


وتواجه مصر أصلًا ضغوطًا مائية متزايدة، في ظل محدودية مواردها الطبيعية وارتفاع عدد السكان بصورة مستمرة، من دون زيادة مماثلة في موارد المياه.


وبحسب وزارة الري المصرية، تحصل مصر على نحو 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل سنويًا، وهو رقم يقل بأكثر من 20 مليار متر مكعب عن احتياجاتها الوطنية.


وقال عباس الشراقي، أستاذ الموارد المائية في كلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، إن هذه المعطيات تفسر سبب اعتبار السد الإثيوبي مصدرًا لتداعيات خطيرة على مصر، مضيفًا أن تأثيراته قد تمتد إلى مختلف جوانب الحياة في البلاد.


وأجرت مصر وإثيوبيا جولات عديدة من المفاوضات، لكنها لم تحقق تقدمًا حاسمًا في تسوية الخلاف. وتضغط القاهرة من أجل إطالة فترة ملء خزان السد، باعتبار أن توزيع عملية الملء على فترة أطول قد يحد من آثارها على تدفقات مياه النيل إلى مصر.


وأكد السيسي في مناسبات عدة أن القاهرة تريد أن تصبح مياه النيل مصدرًا للتعاون بين دول الحوض، لا سببًا للتوتر أو الصراع.


وفي الوقت نفسه، شرعت الحكومة المصرية في تنفيذ مشروعات واسعة لتحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها، وتكلف هذه المشروعات مليارات الدولارات، في محاولة لتعويض جانب من النقص المحتمل في موارد المياه والاستعداد لسيناريوهات أكثر صعوبة إذا لم تتوصل القاهرة وأديس أبابا إلى اتفاق بشأن السد.


وتخشى مصر أيضًا من احتمال عدم التزام إثيوبيا بتعهداتها المتكررة بعدم الإضرار بمصالحها المائية، ما يجعل مسألة الوصول إلى اتفاق واضح وملزم بشأن تشغيل السد وملئه ذات أهمية بالغة بالنسبة إلى القاهرة.


ويرى عبد المنعم حلاوة أن العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية تثير القلق في مصر، موضحًا أن وجود تعاون وتنسيق بين القاهرة وتل أبيب لا يعني أن إسرائيل ستتخلى عن السعي إلى تحقيق مصالحها الخاصة.


ويعكس هذا الموقف طبيعة الحسابات المعقدة التي تحكم العلاقات الإقليمية في حوض النيل؛ فبينما تسعى مصر إلى حماية حصتها من المياه والحفاظ على علاقاتها مع إثيوبيا وإسرائيل في آن واحد، تحاول تل أبيب توسيع علاقاتها الاقتصادية والأمنية والسياسية في أفريقيا، ومن بينها إثيوبيا التي أصبحت محورًا أساسيًا في ملف سد النهضة.


وبذلك، لا ترتبط المخاوف المصرية من التقارب الإسرائيلي الإثيوبي بالجانب العسكري وحده، وإنما تتصل أيضًا بالصراع الأوسع على النفوذ في أفريقيا وحوض النيل، في وقت تعتبر فيه القاهرة قضية المياه مسألة أمن قومي ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة المصرية.

 

https://thearabweekly.com/concerns-mount-egypt-israel-boosts-ties-ethiopia